أسألك الرحيل قصيدة للشاعر نزار قباني

Loading...

Sunday, June 1, 2008

أمثولات في الحرية...

إلى روح الصحافي الشّهيد سمير قصير
لماذا لم تتركوه يتزوّج الحرّية الحقيقية,ويدخل معها الغرف الحميمية,فهو لطالما عشقها و"طلب يدها" من والديها الذين عارَضَا زواج ابنتهم من ذلكَ "الطفل" العنيد,الغاضب,السّاخر منهم ومن "بعثهم"...لماذا أخرجتموه من الجنَّة التي لطالما حاولَ رسمها بخطّ يدهِ وتَلْطيخها بلونٍ جديد لا تعرفونه...لطالما حَلِمَ أن ينْفَجر النَّاس مع القنابل الموقوتة لغضبه الدَّاخلي وفَرَّغَ رصاصاته داخل قلب السّكوت والخوف,و لطالما نَصَحَكم بتغيير أسلوب عيشكم وتعاطيكم للحياة,فحَكَى لكُم عن العساكر كي لا تَتَمَتْرسوا على هواهم في المعابر الأسطوريَّة "من النَد إلى النَّد"...
لطالما حاولَ أن يعطيكم لغز قلمه وشيفرات أحرفه الملغَّمة ودعاكُم إلى عشاء الشَّجاعة ليُلقِّنَكُم درساً في اللاصمت,وسعى أن يقولَ لكم من أي جهة تُمسَك رايَته كي تَحمِلوها من بعدِه,ومَرَّ إليكم مودِّعاً,موصياً أن تُكْمِلوا من بعدِه...
ولكنَّكم لم تَـتَداركوا اللغة الخاصّة بسمير ولم تَتَحضَّروا للتعامل مع التفكير الخاص بسمير ولم تعرفوا إدخال "كود" سمير السرّي في بنوك الرفض والتَّغيير...فقط,كنتم دائماً معركة مفتوحة لقلبٍ مفتوح ودماً نازفاً ولحماً مُتَطايراً,ووجهاً مسنوداً على المقود:"هذا هو سمير"...الذي لطالما رسَمَ لكم استشهاده على الورق,ولكنَّكم تجاهلتموه,حتَّى قُتِلَ على نِصَال سيوف حروبكم الزائفة...

رحيلُكِ...رحيل الجنَّة


ذهبتِ ولم تَعُدِ تبالين بأفكاري
ذهبتِ وأخذتِ معكِ روحكِ وروحي
ذهبتِ وتركتيني أُناجي أوهامي
فمَن,فمن يا حبيبتي,بعدَكِ سيعرِفُ أَطواري؟

الموتُ مصيرُنا كلّنا...مصيركِ
ولكنَّكِ لي أنا,وأنا ابنتكِ
فَلِمَ رَحَلْتِ بعيداً وتذَوَّقْتي هلاكي
فأنا أموتُ رويداً رويداً بعيداً عنْكِ

أنتِ من جَعَلْتِني أرى نور العالم
وأنتِ من بَنَيْتي لي الاحلام
حملتِني أشهراً جاهدةً بالآلام
فكيف تصبحين اليوم كالأوهام؟

كَبِرْتُ...كبِرْتُ وما زلتُ طفلتكِ الصغيرة
وما أنسى كيف فقدْتُ أمي الحبيبة
في البال,وفي قلبي ذكريات وصورة
فما تبَقَّى منكِ...ما تَبَقَّى إلا صورة...

قالوا يوماً أنَّ الجنّة تحت أقدام الأُمهات
فيا ملاكي,هل ستبقى الجنَّة بعدَ رحيلكِ؟؟!

...إليكَ

إليكَ يا من افتديته بحياتي
وأورثته أيَّامي...
إليكَ يا عمراً من الخيانة والكبرياء
أقدِّمُ حبر قلمي الذي جَفَّ
من عواصف موانئكَ الخاذلة...
إليكَ يا صديقي العزيز
الذي أَنْجَبتُ منه أطفال العالم
ولم يشبع...
أنتَ الذي دنَّستَ براءتي
ونشرتَ على براعمي كلمات الرَثاء...
إليكَ,أُقَدّم مخطوطاتي
أنتَ الذي حَرقت وَرَعها
وأنزتَها سلّم الضعف...دون خوف...
سأنساك لأنكَ ضعيفٌ على الهوى
مستكبرٌ الأحاسيس الصادقة...
سأنسى ملاحم الغزل الخادع
الذي تَقَيّأتهُ يوماً على أوراقي
سأحرقُ كلّ متاحفكَ
التي ضمَّت أكذب لوحات الحبّ الفاشل...
سأبتعد عنكَ يا قاتل العصفور الطَّائر
يا طفلاً ساذجاً لم يتقبَّل نعمَة العشق
بل انذَلَّ إلى الزمن الكافر...
قُم من تحت أنْقاض جسدي المتناثر
على الارض والحيطان
لَمْلِم يديكَ من تحت سواعدي
وانْتَشِل قلبكَ من على مرافئي
واهجر إلى غير عودة حطام النيران
التّي أوقدْتَها في أيام بردكَ الحارق...
إخرج من أسطر أوراقي
فلم يَعُدْ فيها مكاناً للتوبة والغفران
ولن تُكَدِّ,بعد الآن,
دواوين في التضحية والإخلاص
...

أحبّك...


أحبك...
وأحبّ تقلّبات الطقس في سمائِكَ
والمدّ والجزر داخل بحورك
والأعاصير التي تدمّر أفراحي...
أحبك...
يا إنساناً حزيناً
يدخل إلى أقاليم وجداني
ويتَخَبَّطُ فيها...يهيم فيها
ويسْتَنْجِد بيدي كي يغرق
ويموت على شراييني...
أحبك...
يا رجلاً عنفوانياً
يتراكم كبرياءه فوق شواطئي
وتسقط أحجار عَجْرَفَتِه في ضعفي...
فأُحبّه...وأُحبه
أكثر من الأوّل...

!!أستاذي العظيم...تحياتي

أستاذي العظيم...أقدّم لكَ تحيّاتي
أرفع لكَ كلّ دعواتي
أستاذي الذي لأجلهِ
أتقنتُ أبجديّة الكذب
وانتهزْتُ فرصة خيانته
فهمَّشْتُ طفولتي
وأَزَحْتُ عن نفسي ستائر البراءة
من أجل اللحاق به
إلى آخر سماوات النفاق...
أستاذي...شَرَّدْتَني في دنيا العذاب وحدي
تحتَ المطر الغاضب هرْوَلْتُ
وبكيتُ في أحضان نجوم اليأس
ألملمُ خيوط ماضيك,ولكنني لم أجد...
خَطَفْتني من بين الكواكب الضاحكة
وقصَصْتَ عليَّ خرافات البحار
حتّى غرقتُ... غرقتُ... غرقتُ...

...لن أتوب


لو يقولون عنكَ سارق الدّماء
وقاتل أصوات الأرواح
فتهانينا على الألقاب...
سيتحدَّثون ويردّدون على مسمعي
وسأعيد أنني عنك لن أتوب...
سأظل أحبك ليوم أو بضعة أيام
فالخلود لا يعني لحياتي شيئاً...
فإنني أحبك بصوت دموعي
وانهمار الكون فوق عيوني
رهام ثلجٍ ومطرٍ وغيومِ...

على أمل النّسيان...


أَوْصَدْتُ الباب على حبك
وأقفلتُ جميع الشبابيك
التي تأتي بأعاصير ذكرياتك
وأعلنتُ الإضراب عن الجنون والعشق...
رَضخْتُ للنسيان
وخفتُ أن أكتب الأشعار في الليل
كي لا أراك بين سطوري
تهدّد قلبي بالأسرار المخبأة
وكي لا أشعر بنبضكَ
على قشعريرة قلمي المرتجف...
أشعلتُ الحرائق بالنجمة
التي لقَّبتُها يوماً باسمي وإسمكَ
وأغرقتُ ذاكرتي بِمُحيطٍ من الأمل
كي تبتعد عن خرافاتك...
وفجأة...
يطلّ طيفك من وراء كوكب النسيان
يذكرّني بتلك العيون
التي لطالما عبأتُ فيها حكاياتي
وخيَّطتُ لها نسيجاً من ذاتي...
تلك العيون التي نسفَت تضحياتي
وسمَّمَت عبير إخلاصي
وذبَحَتني من الوريد إلى الوريد
على بلاط الغدر والخيانة...